بواسطة: وجدة نيوز بتاريخ : الأربعاء 22-07-2009 04:57 مساء
دكتور ناجى صادق شراب/ أستاذ العلوم السياسية/ غزه
مازال الحوار الفلسطيني يراوح مكانه ، ومن جلسة إلى أخرى، دون قدرة على الانتصار على أنفسنا
،وإنهاء حالة الانقسام، والعودة بالنظام السياسي الفلسطيني إلى مساره الطبيعي حتى تتوفر له عناصر التفاعل والنماء الذاتي، والقدرة على التفاعل مع المستجدات والتغيرات ألإقليمية والدولية التي تؤثر في بيئة النظام.. ومشكلة الحوار، لا تكمن في دور الراعي الرئيس للحوار ، ولا في حالة الاستقطاب الإقليمي العربي ـ وإن كانت هذه العوامل الخارجية تلعب دورا مهما في مسارات الحوار ـ ولكن المشكلة تكمن في الأساس في طبيعة وخصائص النظام السياسي الفلسطيني، وما طرأ عليه من تحولات، وتغيرات، ومعطيات، فشل معها النظام في استيعابها، والتكيف معها، ومن ناحية أخرى في عدم قدرة القوتين الرئيسيتين فتح وحماس فى استيعاب دلالات هذه التحولات، ومحاولة كل منهما توظيفها لحسابها.. فتح ـ من ناحيتها ـ تريد الحفاظ على بنية النظام السياسي القديم، وعدم قدرتها على التكيف مع التحولات الجديدة التي طرأت على النظام السياسي، وخصوصا ما يتعلق بالتغير في مبدأ التحول في السلطة.. وحماس ـ من ناحيتها ـ لم تتفهم أن هناك نظام سياسي قائم، وله محدداته ومعطياته الثابتة، وله ثقافته واستحقاقاته الداخلية والإقليمية والدولية.. ولذلك استعجلت في عملية التغيير لأسس النظام، واستبداله بشرعية جديدة..
هذه هي المشكلة المركبة والمزدوجة التي قد تقف وراء تمسك كل طرف بمواقفه، وتخوفه من تصورات ومدركات الطرف الآخر التي يحملها إزاء ألأخر.. وهنا ساهمت الخبرة التاريخية دورا سلبيا، وعمقت من فجوة عدم الثقة بينهما.. وعليه، فمعضلة الحوار الفلسطيني تكمن في عدم التوازن والتغير المتكافئ لمحددات بيئة النظام السياسي الفلسطيني.. ولفهم هذه الأزمة فلسطينيا، لا بد من وضعها في سياق المنهج النظمى، وهذا من شأنه أن يساهم في وضع الحلول لهذه المشكلة..
وبقراءة سريعة لتطور النظام السياسي الفلسطيني، نلاحظ أن هذا النظام قد مر بثلاث مراحل: المرحلة ألأولى مرحلة الأحادية الحاكمة، وهى الفترة الأطول في تاريخ النظام السياسي الفلسطيني؛ حيث سادت حركة فتح، وهيمنت على كل مؤسسات منظمة التحرير أول،ا ثم مرحلة السلطة الفلسطينية، واستمرت هذه المرحلة حتى عام 2006 بفوز حماس في الانتخابات التشريعية بأغلبية كبيرة، ضمنت لها السيطرة على السلطة التشريعية، ونصف السلطة التنفيذية.. وقد اتسمت هذه الفترة بغلبة النزعة الشخصانية، وخصوصا شخصية الرئيس عرفات الذي نجح بكارزميته أن يفرض ويسيطر على كل بؤر صنع القرار السياسي، وأقل ما يقال في هذه المرحلة أن حكم الفرد جاء على حساب دعم المؤسساتية الفلسطينية، فعانى النظام السياسي من ترهل حكومي وترهل أمنى، وشاخ قبل موعده، وهذا ما يفسر لنا انهياره بشكل سريع أمام محاولة حركة حماس ونجاحها فى السيطرة على غزه، لكن هذه المرحلة لها إيجابيات، منها أنها قد أسست للمؤسساتية الفلسطينية، خصوصا بعد وفاة الرئيس عرفات، وأقامت وأرست للعمل الحكومى، وأنشأت البنية التحتية لقيام السلطة السياسية، وعليه، أرست لتقاليد الحكم، وأقامت شبكة من العلاقات الخارجية، وأرست لبداية أسس التعامل السياسي مع إسرائيل من خلال سلسلة من الاتفاقات .
أما المرحلة الثانية، وهى مرحلة الثنائية السياسية المتصارعة والمتنازعة، وهى التي بدأت مع فوز حركة حماس، وتحول السلطة من فتح إلى حركة حماس، وهنا ظهرت المشكلة بكل تجلياتها الثلاث، عدم قدرة النظام السياسي على التكيف مع هذا التحول، وعدم قدرة فتح، أو تهيؤها للقبول بهذا التحول على الرغم من تسليمها للسلطة بطريقة سلمية، لكنها حاولت تقوية نفسها من خلال مؤسسة الرئاسة، وتحكمها في الأجهزة ألأمنية والإدارية.. وعدم قدرة حماس على تفهم واستيعاب عبء عملية التحول، وافترضت أنها جاءت إلى السلطة وكأنها لا توجد تقاليد للسلطة، وكانت النتيجة الحتمية؛ التنازع والصراع على السلطة الذي قاد إلى المرحلة الثالثة، وهى مرحلة الانقلاب على السلطة، وهى جزء منها، وقدرتها على التحكم والسيطرة على غزه، وهنا ساهمت عوامل كثيرة داخلية وخارجية في الصمود، والبقاء، والتحدي لدرجة لم يعد الحديث عن الانقلاب، أو السيطرة مجديا بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات، لأننا بتنا أمام مرحلة سياسية بمعطيات ومحددات جديدة، لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها، وهذا ما يفسر لنا التعثر فى الحوار، وعدم القدرة على المصالحة، فأحد أبرز السلبيات لهذه المرحلة؛ العودة بالقضية الفلسطينية إلى حالة الاستقطاب الإقليمى والدولي، وبطريقة أكبر مما كانت عليه فى السابق، مما جعل القرار الفلسطيني رهينة هذا الاستقطاب، وبقدر التخفيف منه، بقدر التقدم خطوة في اتجاه الحوار والمصالحة.
ومن المظاهر والعوامل الأخرى التي قد ساهمت في استمرارية هذه المرحلة، تراجع وضعف دور القوى والتنظيمات السياسية الفلسطينية ألأخرى، ومحاولة كل من فتح وحماس الاحتماء وراء عدد منها، وتراجع واضح وملحوظ لدور مؤسسات المجتمع المدني، بل ومحاولة من القوتين فرض هيمنتها وسيطرتها عليها، أو على ألأقل تحديد نشاطها، أما المواطن الفلسطيني، فمواطن مهموم، مثقل بأعباء المعيشة والحصار، ووجد نفسه ضحية هذا الانقسام، ولذلك فقد القدرة على التحرك الذاتي، والمبادرة على التغيير، ووجد نفسه وسط مواطنه مجزأة، وولاء حائر ما بين الراتب ولقمة العيش، وولاء لموقف سياسى ينبذه ويرفضه، وفى هذا الانقسام السياسي تراجع وضعف السلطة السياسية المدنية، وتنامت ظاهرة وقوة ونفوذ العسكر والأجهزة الأمنية، مما زاد من تعقيدات الحوار الفلسطيني، وجعل القرار بيد هؤلاء العسكر، أو الأذرع العسكرية .
هذه هى الصورة الشامله والبيئة التى تتم فيها جلسات الحوار الفلسطينى، والتى قد تفسر لنا حالة الانسداد والتأزم فى جلساته، وتأجيلها من جلسة إلى أخرى، بل أحيانا التراجع فى التفاهمات عن الجلسات ألأخير. هذا الفهم يساعدنا فى الخروج من عنق الزجاجة ، ويضع أيدينا على الحلقة المفقودة.
إذن، البداية لأى حوار ناجح، هو فى إعادة معالجة كل هذه الاختلالات فى بنية النظام السياسي حتى لا يبقى أسيرا لحالة استقطاب سياسي بين فتح وحماس، وبقدر توسيع دائرة المساهمة والمشاركة، بقدر توفير وبناء نظام سياسى بعيدا عن الاستقطاب، والمحاصصة السياسية التى قد تعيدنا إلى الوراء ثانية .
توصلت ـ وأنا في مقهاي المعتاد بوجدة ـ من صديق عزيز، بمظروف مطوي بعناية شديدة، يخاف عليه صاحبه من الافتضاح، إذ ظل طيلة جلستنا، يصر على إخفاء ما به.. وبعد مناورات، ومشاورات، وأخذ ورد، علمت أن الأمر يتعلق ببرنامج ثقافي، تنظمه ـ هاته الأيام الجهة الموكّلة برعاية الثقافة والمثقفين ـ يا حسرتاه ! ـ
تصورا لماذا كان جليسي يصر